الشنقيطي

437

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أنهم يقربونهم إلى اللّه زلفى ، ويشفعون لهم عنده لا يملكون كشف الضر عن عابديهم ؛ أي إزالة المكروه عنهم ، ولا تحويلا أي تحويله من إنسان إلى آخر ، أو تحويل المرض إلى الصحة ، والفقر إلى الغنى ، والقحط إلى الجدب ونحو ذلك . ثم بين فيها أيضا أن المعبودين الذين عبدهم الكفار من دون اللّه يتقربون إلى اللّه بطاعته ، ويبتغون الوسيلة إليه ، أي الطريق إلى رضاه ونيل ما عنده من الثواب بطاعته فكان الواجب عليكم أن تكونوا مثلهم . قال ابن مسعود « 1 » : نزلت هذه الآية في قوم من العرب من خزاعة أو غيرهم ، كانوا يعبدون رجالا من الجن ، فأسلم الجنيون وبقي الكفار يعبدونهم فأنزل اللّه أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ الآية وعن ابن عباس « 2 » : أن هذه الآية نزلت في الذين كانوا يعبدون عزيرا والمسيح وأمه . وعنه أيضا ، وعن ابن مسعود « 3 » ، وابن زيد « 4 » ، والحسن : أنها نزلت في عبدة الملائكة . وعن ابن عباس « 5 » : أنها نزلت في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه . وهذا المعنى الذي بينه جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من أن كل معبود من دون اللّه لا ينفع عابده ، وأن كل معبود من دونه مفتقر إليه ومحتاج له جل وعلا - بينه أيضا في مواضع أخر ، كقوله « في سبإ » قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ سبأ : 22 - 23 ] ، وقوله « في الزمر » : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) [ الزمر : 38 ] ، إلى غير ذلك من الآيات وقد قدمنا « في سورة المائدة » أن المراد بالوسيلة في هذه الآية الكريمة « وفي آية المائدة » : هو التقرب إلى اللّه بالعمل الصالح ؛ ومنه قول لبيد : أر الناس لا يدرون ما قدر أمرهم * بلى كل ذي لب إلى اللّه واسل وقد قدمنا « في المائدة » أن التحقيق أن قول عنترة : إن الرجال لهم إليك وسيلة * إن يأخذوك تكحلي وتخضبي من هذا المعنى ، كما قدمنا أنها تجمع على وسائل ، كقوله : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد التصافي بيننا والوسائل

--> ( 1 ) جامع البيان 15 / 72 . ( 2 ) جامع البيان 15 / 73 . ( 3 ) جامع البيان 15 / 73 . ( 4 ) جامع البيان 15 / 73 . ( 5 ) جامع البيان 15 / 73 .